مصطفى صادق الرافعي

58

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

إعجازه الخالدة ؛ ولكن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم . وحسبه معجزة ما تقول فيه من صفة الجنسية العربية التي جعل الأمم أحجارا في بنائها والدهر على تقادمه كأنه أحد أبنائها ، وأقام منها معضلة سياسية ، في الأرض وضعها ونقدها ، وفي السماء حلها وعقدها ، وشدّ بها المسلمين فهم إذا ائتلفوا انضموا كالبنيان المرصوص ، وإذا تفرّقوا سطعوا في تيجان الممالك كالفصوص ، وما إن يزالوا في التاريخ مرة أصوله ، ومرّة فصوله ، وإن لم يقوموا أحيانا بالدين ، قام بهم هذا الدين إلى حين ، وكيف وقد جمعهم الكتاب الذي أنزل من السماء فكان مثال آدابها ، وانتشر في الأرض فكان خلعة شبابها ، ودعا إليه الناس على اختلافهم فكأنما كل أمّة تدعى إلى كتابها . ونحن فقد نعلم أن هذه المعجزة ليست إلى اللغة في مردّها من الفائدة ، فإنما هي ترمي إلى وحدة سياسية تكون كالنبض لقلب هذا العالم كما سيأتيك بيد أن سبيل ذلك من اللغة ، فإن القرآن تنزل من العرب منزلة الفطرة اللغوية التي يساهم فيها كلّ عربي بمقدار ما تهيأ له من أسبابها الطبيعية ، إذ كان بما احتواه من الأساليب ، وما تناوله من أصول الكمال اللغوي ، وما دار عليه من وجوه الوضع البياني - قد هتك الحوائل ومحا الفرق التي تبين قرائح العرب اللغوية بعضها من بعض ، فاجتمعت منه على الكمال الذي كانت تتخيله ولا تألوا عما يدنيها إليه معالجة واكتسابا ؛ ولو أنهم تمالئوا طوال الدهر على أن يهذّبوا من لغتهم ليبلغوا بها مبلغ الكمال الوضعي ، على النحو الذي جاء به القرآن ، لما ازدادوا إلا تعاديا في الرأي ؛ وتباعدا عما يجنحون إليه إذ تنزع كل فطرة إلى منزعها في كل قبيل ، فيزيد الناقص منهم نقصا فطريا وهو يحسبه كمالا ، ويبعد الكامل عن حقيقة ما يلتمسه من الكمال بعد أن يرى غيره قد حسبه نقصا ، لأن القطرة لا تنقاد إلا بالإذعان ، ولا تذعن إلا لما يكون في حدّ كمالها المطلق ، وليس في تاريخ العرب اللغوي من ذلك بالتحقيق قبل القرآن ولا بعده غير القرآن . تلك سياسة هذا القرآن : جمع العرب لمذهب الأقدار وتصاريف التاريخ . رأى ألسنتهم تقود أرواحهم ، فقادهم من ألسنتهم وبذلك نزل منهم منزلة الفطرة الغالبة التي تستبدّ بالتكوين العقلي في كل أمة . فتجعل الأمة كأنما تحمل من هذا العقل مفتاح الباب الذي تلج منه إلى مستقبلها ؛ فإن كل أمة تستفيد عقلها الحاضر من ماضيها ، لتفيد مستقبلها من هذا العقل بعينه ، فلما استقاموا له أقامهم على طريق التاريخ التي مرّت فيها الأمم ، وطرحت عليها نقائصها فكانت غبارها ، وأقامت فضائلها فكانت آثارها ؛ فجعلوا يبنون عند كل مرحلة على أنقاض دولة دولة ، ويرفعون على أطلال كل مذلة صولة ، ويخيطون جوانب العالم الممزّق بإبر من الأسنة ، وراءها خيوط من الأعنّة ؛ حتى أصبح تاريخ الأرض عربيّا ، وصار بعد الذلة والمسكنة أبيّا ، واستوسق لهم من الأمر ما لم ترو